CPMO

تأنيث المحلات التجارية النسائية و أطراف الصراع في المملكة العربية السعودية


مقدمة:
          حظيت قضية تأنيث محلات بيع المستلزمات النسائية باهتمام بالغ من جميع فئات المجتمع السعودي خلال الفترة الماضية منذ صدور الأمرِ الملكي رقم أ /121 والصادر بتاريخ 2/7/1432ه،  وتطور الاهتمام إلى ما يشبه الصراع بين أطراف عدة في المجتمع  السعودي حول هذه القضية التي يعدها بعضهم من بين أهم القضايا وأكثرها تأثيرا في مستقبل المجتمع السعودي من جوانب عديدة؛ منها الجانب الاجتماعي، و الجانب الاقتصادي، و الجانب الثقافي.. إلخ .
 
أطراف الصراع:
          قبل تحديد أطراف الصراع في هذه القضية، يجب أن نعرف مفهوم الصراع المقصود به في هذه الورقة، فالصراع هنا ليس بمفهوم الصراع المتفجر بين أطراف متصارعة والذي ينتهي بسيطرة طرف منتصر على حساب الطرف الآخر، إنما المقصود به اختلاف وجهات النظر بين الجهات ذات العلاقة لأسباب تتفاوت في قوتها ما بين الأسباب الاستراتيجية والأسباب الظرفية الناشئة عن ظهور الحالة محل الصراع إلى الواقع، وكل هذه الأسباب ناتجة إما عن اختلاف في  المفاهيم الثقافية، أو لتعارض المصالح بين أطراف الصراع خاصة الاقتصادية، أو للتفاوت في بعض المفاهيم والقيم المجتمعية، أو للتباين الطبيعي في مستويات تقبل مكونات هذه الأطراف للتغييرات الفجائية أو غير المتوقعة من الأحداث والتحولات الاجتماعية في وقت وقوع هذه التحولات، ويسعى كل طرف من هذه الأطراف للدفاع عن وجهة نظره بالطرق المشروعة .
          أطراف الصراع -إذا جاز لنا استخدام هذا المصطلح بعد توضيحه – أربعة، هي:
-وزارة العمل باعتبارها الجهة المسؤولة عن تنفيذ القرارات الرسمية ببرنامج التأنيث الممرحل.
-التجار ورجال الأعمال والغرف التجارية من جهة؛ لكونهم الجهة المنفذة للقرار والمتأثرة به سلباً أو إيجاباً من الناحية الاقتصادية.
-الأسرة السعودية من جهة كونها المستهدفة بالقرار والمتأثرة سلبا أو إيجابا بما ينجم عن خروج المرأة وعملها في المحلات التجارية.
-مكونات المجتمع الأخرى بمنظماتها المدنية أو الرسمية وشبه الرسمية، وعلى رأس هذه الجهات المؤسسة الدينية الأقوى على مستوى المملكة " هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " وباقي مكونات المجتمع المدني الأخرى بشقيها المؤيد أو المعارض لمشروع تأنيث المحلات النسائية التجارية  .
نماذج للصراع:
          نورد فيما يلي مقتطفات بسيطة من سيل الأخبار والكتابات حول هذا الموضوع:
-رئيس هيئة الأمر بالمعروف يصرح لصحيفة الشرق في عددها الصادر بتاريخ 25/5/2014م بأن وزارة العمل تسببت في تعرض المرأة للتحرش والابتزاز والتغرير بسبب عدم تطبيقها القرار السامي لتأنيث محلات المستلزمات النسائية بشكل صحيح.
-تجار الأقمشة يتكتلون ضد قرار التأنيث و " العمل " تتوعدهم بالعقوبات ( الاقتصادية . العدد 7502، بتاريخ 26 أبريل 2014م ) .
 
مراحل مشروع التأنيث:
          وفقت وزارة العمل في تخطيطها لتنفيذ هذا المشروع الاستراتيجي عندما اعتمدت على تنفيذ المشروع على مراحل، مراعية في ذلك التدرج المنتظم في عملية التحول، بما في ذلك مراعاة الجوانب العملية والنفسية والاقتصادية والتدريبية .. الخ . وقد جاء تنفيذ المشروع على ثلاث مراحل:
1 – المرحلة الأولى: تأنيث محلات بيع المستلزمات النسائية الداخلية وأدوات التجميل.
2- المرحلة الثانية: تأنيث محلات بيع فساتين السهرة وفساتين العرائس والعباءات النسائية والإكسسوارات.
3- المرحلة الثالثة: وتشمل تنظيمَ عَـمَـلِ المرأة في مَحلاتِ بيعِ العطوراتِ النسائية، والجلابيات، و الأحذية  والحقائب، والجوارب النسائية، والملابس النسائية الجاهزة، والأقمشة النسائية، ومُـسْـتَلْزَماتِ رعاية الأمومة "لا تشمل ملابس الأطفال"، وتستمر هذه المرحلة و التي قسمت بدورها على عدة مراحل تفصيلية لمدة (48) شهرا، أي من المنتظر اكتمال المشروع في العام الهجري 1438هـ بإذن الله .
الصعوبات والمشكلات التي تواجه المشروع:
          منذ بدء مشروع التأنيث والأطراف ذات الصلة تواجه عددا من الصعوبات والمشكلات، فالموظفات يعانين من طول ساعات العمل، والدوام المسائي، و مشكلة المواصلات، و ضعف الراتب مقارنة مع طبيعة وساعات العمل، ومشكلة حاضنات الأطفال للمتزوجات، .. الخ، بينما أصحاب المحلات التجارية يشكون من قلة فترة التهيئة " التدريب " التي سبقت عملية التأنيث مما أدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة، و يرى بعضهم تعنت الوزارة في تطبيق سياساتها دون مراعاة بعض المستجدات في أثناء التطبيق والتي تستدعي بعض المراجعات، بالإضافة إلى صعوبة اتخاذ الإجراءات المطلوبة لتهيئة أماكن العمل لتناسب مشروع الـتأنيث، والوزارة نفسها تعاني كونها المسؤولة عن إيجاد حلول لكل هذه المشكلات، إضافة إلى مواقف بعض الجهات الرسمية وشبه الرسمية من الفكرة أو طريقة التطبيق.
النتائج والآثار المتوقعة ( تقدير موقف ):
          تقوم وزارة العمل وبعض الجهات ذات الصلة بالمشروع بإجراء دراسات و ورش عمل دورية لتقويم التجربة و حل المشكلات التي تعترض الطريق، و لكن تبقى النتائج والآثار الناجمة عن هذا المشروع الاستراتيجي بحاجة إلى تقدير موقف على المدى القريب والمتوسط والبعيد على كافة الأصعدة؛ الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، بل والسياسية كذلك .
تقدير الموقف من الجانب الاقتصادي:
          هذا المشروع بحاجة إلى تقدير موقف من جانبه الاقتصادي تبعاً لدراسة النتائج والآثار الاقتصادية المتوقعة على المدى القصير والمتوسط و الطويل، وأهم المرتكزات لهذا الجانب:
  • تأثير المشروع على سوق العمل خاصة النسائي، إذ من المحتمل أن يستوعب هذا المشروع نسبة كبيرة جدا من الباحثات عن العمل والذي يقدر بنحو مليون سيدة حسب الإحصائيات الخاصة ببرنامج حافز .
  • تأثير المشروع على الحد الأدنى للأجور، حيث تقوم  اللجان المختصة بدراسة المقترحات المرفوعة من الوزارة في هذا الصدد .
  • تأثير المشروع على ارتفاع الأسعار عموما تبعا لارتفاع الحد الأدنى للأجور المحتمل.
  • تأثير المشروع على إيرادات الشركات والمؤسسات ذات الصلة تبعاً لتأثر حجم الانتاج المرتبط بعدد ساعات العمل في هذا المجال بصورة، إلى جانب تأثر هذه الشركات والمؤسسات ومعدلات أرباحها السنوية للأسباب البدهية التي ترتبط ببدايات أي تجربة جديدة، مثل قلة الخبرة و احتياجات التدريب المستمر و غيرها من المشكلات والصعوبات التي يعاني منها أصحاب هذه المنشآت حاليا .
تقدير الموقف من الجانب الإجتماعي:
في الجانب الإجتماعي أيضا هناك عدة محاور يجب التركيز عليها في تقدير الموقف لهذا المشروع وتأثيراته الإيجابية والسلبية على المجتمع السعودي على المدى القصير والمتوسط والطويل، وأهم هذه المحاور:
  • التأثير الاجتماعي لدخول المرأة في مجال عمل غير تقليدي، إذ اقتصر عمل المرأة في المملكة العربية السعودية خلال الحقب الماضية فقط على التعليم والصحة، ثم بدأت تطرق باب القطاع الخاص قليلا ولكن وفق ضوابط مشددة كانت تؤمن لها خصوصية في مكان العمل، ولكن مشروع تأنيث المحلات التجارية ينقل المرأة السعودية لتعمل في بيئة عمل مفتوحة بدون أي خصوصية كما كان في السابق .
  • التحول الكبير في بيئة العمل بعد دخول المرأة السعودية في مجال البيع بالمحلات التجارية بحاجة إلى برامج اجتماعية مصاحبة كثيرة غير الضوابط والإجراءات التقليدية المتخذة حاليا .
  • المجتمع السعودي المحافظ مهدد بصورة كبيرة في قيمه الإجتماعية الراسخة ما لم يتم اتخاذ تدابير وقائية كثيرة، قائمة على دراسات إجتماعية ونفسية متعمقة لتحليل التحولات النفسية و السلوكية المحتملة لمثل هذا النوع من التحولات الفجائية في تركيبة المجتمع.  
تقدير الموقف من الجانب الثقافي :
في الجانب الثقافي أيضا هناك عدة محاور يجب التركيز عليها في تقدير الموقف لهذا المشروع وتأثيراته الإيجابية والسلبية على المجتمع السعودي على المدى القصير والمتوسط والطويل، وأهم هذه المحاور:
  • تأثير المشروع على ثقافة العمل وتداعياته الثقافية .
  • تأثير المشروع على ثقافة الاستهلاك، تبعاً لانتقال شريحة كبيرة من المجتمع (شريحة النساء)  من مستهلك إلى منتج .
  • تأثير المشروع على توجهات الأجيال القادمة في النواحي الأكاديمية تبعاً للتحولات الجديدة في سوق العمل النسائي في المملكة العربية السعودية .
 
تقدير الموقف من الجانب السياسي :
          أما في الجانب السياسي فإن تقدير الموقف لتداعيات هذا المشروع وآثاره فيمكن سرده دون حصر في المحاور التالية:
  • تأثير المشروع في العلاقة بين القوى الدينية المحافظة و القوى السياسية الحديثة .
  • تأثير المشروع في مستقبل المرأة السعودية سياسياً تبعا للتحولات الاجتماعية والثقافية في شخصية المرأة السعودية .
  • تأثير المشروع في مستقبل المرأة السعودية على مستوى الخليج والعالم العربي، وهنا الحديث عن المرأة العاملة وليس عن النخب، و المرأة العاملة تؤدي دوراً مهما على مستوى العالم، وهذا الدور يجب أن يحسب له حساب في المملكة العربية السعودية بعد فتح الباب أمام عمل المرأة بصورة طبيعية كما في كافة دول العالم، أي أن القضية لن تقف في فقط في حل مشكلة البطالة، و إن كان هدفا كبيراً، إلا إنه له ما بعده .. .
بعد هذا السرد الموجز لمشروع تأنيث المحلات التجارية النسائية بالمملكة العربية السعودية يمكن القول، أن المشروع بحاجة إلى كثير من الدرسات المتخصصة، و إلى آليات رصد للتحولات المجتمعية المترتبة على هذا المشروع وتبعاته، حتى لا يؤدي هذا المشروع الاستراتيجي إلى عواقب غير محسوبة.